حدود النجاة

وضع " غير المسلمين " في الإسلام

 

حسن كو ناكاتا (Hassan Ko Nakata)  الأستاذ في كلية الإلهيات ـ جامعة دوشيشا

مستخلص :

الإسلام دين كل الأنبياء منذ آدم، وإجماع الإسلام ـ بصرف النظر عن طوائفه أو مذاهبه ـ على أن النجاة تتعدى "أمة محمد" إلى كل الموحدين في العالم.

وأما إمكانية النجاة فيما يتجاوز أمة محمد، فبدأت من دعوة محمد فصاعداً ، وهكذا فإن عقيدة المذهب الأشعري في الإسلام السني قد رأت بنجاة الناس في المناطق التي لم ينتشر فيها الإسلام ، وليست فكرة نجاة غير المسلمين نتاج عملية توفيقية أو انتقائية، بل هي نظرياً ملازمة لفكر المذهب وحتمية فيه ، وفي رأيي الشخصي إن الأساس لمستقبل تعايش الإسلام مع غيره من الديانات يكمن في تعميق وتطوير نظريات المذهب الأشعري في النجاة والخلاص.

يمكن  أن يكون للعقيدة التي تنادي بنجاة الناس الذين لم يتعرفوا على الإسلام  أهمية كبرى في نشر الدين في بلاد يشتد فيها تعلق الناس باحترام الأجداد  ، حيث لا يوجد تاريخ طويل في الاتصال بالإسلام ، هذا لأن حظر احترام الأجداد والاستغاثة لأجلهم قد يكون بالتالي عقبة أمام نشر الدين التوحيدي في تلك البلاد.

 

الكلمات الأساسية: النجاة، أهل الفترة ، التوحيد، أمة محمد، المذهب الأشعري ، الماتريدية

 

استهلال:

هدف هذا البحث هو بيان أن إمكانية النجاة في الإسلام متوفرة ليس فقط للمسلمين بل لغير المسلمين أيضاً.

تعتمد المناقشات في هذا البحث على القرآن الكريم والحديث النبوي وآراء كبار العلماء في الإسلام السنِّي.

وقد بينت في خاتمة البحث الأهمية العملية لفكرة أن النجاة في الإسلام ممكنة لغير المسلمين.

ما هي النجاة ؟

كلمة "نجاة" مشتقة في الأصل من عدد من الحروف الساكنة وهي النون والجيم والواو، وهناك أربع وثمانون كلمة   في القرآن مشتقة منها (1). ومن بينها الاسم الوحيد مع أداة التعريف "النجاة" وتعني "النجاة من النار" كما تستعمل "النجاة" مقابل "النار" في الآية التالية:

 " ويا قوم مالي أدعوكم إلى النجاة وتدعونني إلى النار" ( غافر : 41) علاوة على ذلك، لا تعني " النجاة من النار" سوى دخول "الجنة" كما هو في الآية التي تسبق تلك: "ومن عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة" (غافر : 40).

ويسمى عذاب النار في الآخرة "بالعذاب الأشد"(2) لأنه أشد بكثير ولا يقارن بعذاب الدنيا وبلائها كما في الآية: "ولعذاب الآخرة أشد وأبقى" (طه : 127).

وفكرة العذاب الأليم الأبدي في الدار الآخرة تُلغي ما يقابلها من عذاب الدنيا، ولهذا يوجد في الإسلام تباين حتمي بين العذاب الأبدي في الآخرة والنجاة كما يقول القرآن: ""لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة". (الحشر: 20) وهذه الهوة بين العذاب الأبدي والنجاة هي فصل حاسم يختلف في طبيعته باختلاف مستويات ومراكز الناس في الدنيا، أو الفروق الكامنة في كل من الجنة والنار(3). فإن الفرق بين الجنة والنار هو بين أقصى الإيجاب وأقصى السلب، ومثل الفرق بين شدة ألم العذاب في النار والألم الآني في الدنيا هو كمثل الفرق بين اللامحدود والمحدود ، فكلاهما طرفان لطبيعة مطلقة.

  إن للنجاة معان واسعة ، إلا أنه في الخطاب الديني المعاصر في الغرب وفي اليابان أيضا ، غالباً ما تستخدم للإشارة إلى الظواهر النفسية مثل "إزالة المعاناة النفسية"، "التحرر من الرغبات الدنيوية"، و"الراحة من الشعور بالألم" والحقيقة أن الإسلام  يشير  إلى "النجاة" بهذا المعنى ، الذي هو شغل الصوفية الشاغل، ولا يتناول هذا البحث هذه المعاني الأخيرة "للنجاة". بل يشير إلى "النجاة من النار" بدلاً عن ذلك، أي إلى الحالة "الحاسمة" للأمور الموصوفة بشكل ثنائي، وبعبارة أخرى النعيم الموعود في "جنة" السماء في الآخرة.

واهب النجاة

بالنسبة "للجنَّة" "كنجاة من النار" من يهبها؟ تُبينِّ الآية التي ذكرناها آنفاً "ومن عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة" ( غافر : 40) إن فسرنا هذه الآية حرفياً نجد أن المؤمنين هم الفاعلون الذين يدخلون الجنة بأعمالهم. ولكن في مكان آخر يقول القرآن: " إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار."  ( الحج : 14). وهذا يبين أن الله هو الفاعل الذي يهب النجاة، وعقيدة أهل السنة أن الله خالق الكون هو الفاعل الحقيقي وراء كل الظواهر في العالم ، ولا تُستثنى الأفعال الإنسانية من ذلك ، الله هو المسبب لها، كما تقول الآية:"وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى". (الأنفال: 17). فرغم أن "أفعال البشر" في الحقيقة هي "أفعال الله" لكنها توصف بأنها "أفعال البشر" لأن نتائجها تنسب حكماً للبشر.(4)

         دخول المؤمنين الجنة ليس مَردُّه إلى "أفعال البشر" بل إلى الله ، وهذا يغاير القول بأن الله هو السبب الحقيقي للظواهر الكونية بما فيها "أفعال البشر". فالنجاة بكل معانيها هي من فعل الله لا من فعل البشر، وتوضح الحكاية التالية ذلك في الحديث النبوي التالي بلا لبس ولا غموض:

"أن جبريل أخبره أن عابداً عبد الله على رأس جبل في البحر خمسمائة سنة، ثم سأل ربه أن يقبضه وهو ساجد. قال: "فنحن نمر عليه إذا هبطنا وعرجنا ونجد في العلم أنه يبعث يوم القيامة فيوقف بين يدي الله عز وجل"، فيقول عز وجل: "أدخلوا عبدي الجنة برحمتي". فيقول العبد: "يا ربي بل بعملي" (ثلاث مرات). ثم يقول الله للملائكة: "قيسوا عبدي بنعمتي عليه وبعمله". فيجدون نعمة البصر قد أحاطت بعبادة خمسمائة سنة، وبقيت نعمة الجسد له، فيقول: "أدخلوا عبدي النار". فيُجرُّ إلى النار. فينادي ربه: " برحمتك أدخلني الجنة، برحمتك أدخلني الجنة". فيدخله الجنة. قال جبريل: "إنما الأشياء برحمة الله يا محمد". (أخرجه الحاكم)(5).

وحديث آخر: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما من أحد يدخله عمله الجنة". قيل: " ولا أنت؟ قال: "ولا أنا، إلا أن يتغمدني ربي برحمته". (أخرجه مسلم).

هذا الحديث الذي يقول بأنه حتى النبي المعصوم لا يدخل الجنة بعمله يبيِّن بوضوح أن البشر لا يؤذن لهم بدخول الجنة بأعمالهم الصالحة بالذات بل بفضلٍ من الله ورحمته.

الشفاعة

كما رأينا في المقاطع السابقة إن الفاعل الحقيقي والواهب للنجاة هو الله سبحانه وتعالى، وهو صاحب السلطة والحق المطلق لها، ولا تنجِّي الإنسان أعماله الصالحة، ولا ينجيه أي إنسان ولا ملك ، فالله وحده يملك السلطة في أن يهب الآخرين النجاة ،  ومع التوحيد المطلق في الإسلام هناك مفهوم للشفاعة عند الله من أجل النجاة.

غالباً ما تأتي عبارات القرآن حول الشفاعة بأسلوب النفي أو الاستفهام مثل: "يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولاً". (طه: 109) وتتوقف صحة الشفاعة على أمر الله فإن لم يأذن فلا شفاعة، وهذا يعني أن شفاعة الخلق بلا إذن منه لا تنفع وهذا ما يؤكد إرادة الله المطلقة في النجاة.

وتفسر الشفاعة في الحديث بشكل موسع، فعند ابن ماجة حديث للنبي صلى الله عليه وسلم:

"يشفع يوم القيامة ثلاثة: الأنبياء ثم العلماء ثم الشهداء". فحدود الناس الذين يؤذن لهم بالشفاعة غير واضحة المعالم وبهذا هي مفتوحة للمؤمنين المخلصين، لكن الشفاعة الكبرى هي شفاعة النبي محمد يوم الجزاء، وفي تراث هذه "الشفاعة الكبرى" أدلة كثيرة تفسر بنية "النجاة" في الإسلام. لذا نورد الحديث التالي:

"فأستئذن على ربي فيؤذن لي فأقوم بين يديه فأحمده بمحامد لا أقدر عليها الآن يلهمنيها الله. ثم أخر له ساجداً. فيقال لي "يا محمد ارفع رأسك وقل يسمع لك وسل تعطه واشفع تشفع". فأقول "رب أمتي أمتي". فيقال "انطلق فمن كان في قلبه مثقال حبة من برة أوشعيرة من إيمان فأخرجه منها". فأنطلق فأفعل ثم أرجع إلى ربي فأحمده بتلك المحامد ثم أخر له ساجداً فيقال لي "يا محمد، ارفع رأسك وقل يسمع لك وسل تعطه واشفع تشفع. فأقول" رب أمتي أمتي". فيقال: "انطلق فمن كان في قلبه أدنى أدنى مثقال حبة من خردل من إيمان فأخرجه منها" فأنطلق فأفعل...... ثم أرجع إلى ربي في الرابعة فأحمده بتلك المحامد ثم أخر له ساجداً فيقال لي "يا محمد ارفع رأسك وقل يسمع لك وسل تعطه واشفع تشفع" فأقول "يا رب إئذن لي في من قال لا إله إلا الله". قال: "ليس ذلك لك"، أو "ليس ذلك إليك. ولكن وعزتي وكبريائي وعظمتي لأخُرجن من قال لا إله إلا الله". (أخرجه مسلم).

أمة المسلمين:

يظهر الحديث الآنف الذكر شكل النجاة وتنوع زمر الناس الذين تنالهم النجاة ، ذكرنا في القسم الثاني أن هناك هوة سحيقة بين أصحاب النار وأصحاب الجنة كما ذُكرَ في ثنائية من نجوا ومن لم ينجوا، ولكن لكي نكون أكثر دقة واستناداً لهذا الحديث هناك فجوة عميقة بين من يبقى في النار خالداً فيها ومن ينقذ منها.

هناك نوعان من "النجاة من النار" : دخول الجنة بلا عذاب البتَّة والإنقاذ من عذاب النار،  تنال شفاعة النبي أمته من المسلمين، ومهما كان إيمان المرء ضئيلاً طالما أنه من أمة محمد فبفضل شفاعة النبي لن يخلد في النار وإذْ لم يضعنا  الإسلام بين خياري الإيمان و العمل الصالح  فقد جعلهما مكملين لبعضهما كما في صفة أهل الجنة في الآية التي ذكرناها آنفاً:  "ومن عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة". (غافر: 40) ومع ذلك إن لم يعمل المرء من الصالحات قبل موته ، وكان في قلبه أدنى ذرة من إيمان فسوف ينجو من عذاب النار بفضل شفاعة النبي، ويكون ذلك بإعلان شهادة: " أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله". وعندما يقول القرآن: " يكون الرسول عليكم شهيداً". ( البقرة :143) فهذا يعني أن المرء إن شهد بأن محمداً هو رسول الله سيشهد النبي له بالإيمان وسيشفع له عند الله الذي يقبل الشفاعة، ولكن شفاعة النبي لن تطال من يشهد فقط بوحدانية الله ولا يشهد برسالة محمد، ومع ذلك فإن الله بجبروته سوف ينجي من النار من يشهدون له بالوحدانية.

هكذا تتعدى النجاة "أمة محمد" في حديث يرويه ابن مسعود بأن محمداً قال لأصحابه:

"إني لأرجو أن تكونوا شطر أهل الجنة". (رواه مسلم). هذا يعني أن "أمة محمد" تؤلف نصف سكان الجنة فقط.

نجاة "أهل الفترة"

يبلغ الرسل رسالات الله للناس ، ويدعى الناس الذين يعيشيون بين وفاة رسول وبعث آخر جديد "أهل الفترة".

تختلف الآراء بين أهل السنة في الإسلام حول نجاة "أهل الفترة" ، وأنا أرى أن تراث عقيدة الإسلام السني يجب أن تكون أساس إعادة بناء علاقة التعايش بين الإسلام والديانات الأخرى، في هذا القسم من البحث وفي الأقسام التالية سوف نحلل المناقشات حول نجاة "أهل الفترة" في عقيدة أهل السنة.

 أولاً، سوف نطلع على حجة المرحوم عبد الله الغماري من بحثه بعنوان "أهل الفترة ناجون" ضمن مجموعته المنشورة بعنوان "خواطر دينية" وقد ولد الغماري في مراكش في أسرة ذات تاريخ طويل من العلماء وكان يسمى "بخاري عصره" فهو من علماء الحديث الكبار في القرن العشرين.

يُعرِّف الغماري " أهل الفترة" بأنهم "الذين عاشوا في زمن لم يكن فيه رسول إليهم"(6). يقول الغماري في رأس مقالته: " والحكم فيهم عند الجمهور أنهم ناجون ولو عبدوا الأصنام لقوله تعالى: "وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً" ( الإسراء : 15) و" ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم ً" – أي بشرك – " وأهلها غافلون".(7) (الأنعام: 131) أي لم يُرسل إليهم رسول (7).

ولدى تفسير كلام الله "وما كنا معذبين" فهذا يعني أن الله لا يفعل ذلك حتى يبعث رسولاً يبين الأحكام حول الذنوب مثل الزنى والخيانة، ويقدم البعض الحجة التالية: باعتبار أن الإنسان قد كُلِّف بالتوحيد منذ أن بعث الله آدم رسولاً لأبنائه فإن "أهل الفترة" يستحقون العذاب في النار(8). وقد أبدى الغماري معارضته لهذا الرأي بقوله:

"الآيات الآنفة الذكر واضحة وحاسمة وتثبت بحقٍ كرم الله وفضله، أما الأحاديث المخالفة لهذا فلا تعتمد أساساً ولا تكفي لتردَّ ما انتهى إليه القرآن بجلاء وجزم"(9).

تقدم الآيات التالية من القرآن دليلاً إضافياً على نجاة "أهل الفترة".

"وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم (يعبدونها) قالوا يا موسى اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة. قال إنكم قوم تجهلون. إن هؤلاء متبرَّ (هالك) ماهم فيه وباطل ما كانوا يعملون. (الأعراف: 138).

ملخص ذلك أن سكان فلسطين الأصليين كانوا يعبدون الأصنام، على الرغم من أن وثنيتهم كما يقال غير حقيقية وسبب قولهم بعدم استحقاقهم للعذاب في النار هو أنهم خلافاً لبني إسرائيل لم يبعث فيهم رسول، لذلك لم يكلفوا باجتناب الشرك، فلا يعذبون في النار لممارستهم الشرك، حتى ولو سمعوا بموسى ورسالته ، فهذا لا يعني أن رسولاً قد بعث فيهم(10). وطبقاً لهذا يقدم القرآن دليلاً مماثلاً لنجاة "أهل الفترة":

"يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا (محمد عليه السلام) يبين لكم (الدين أصوله وفروعه) على فترة (انقطاع) من الرسل (لأجل) أن (لا) تقولوا (يوم القيامة) ما جاءنا من بشير ولا نذير فقد جاءكم بشير ونذير" (فلا عذر لكم بعد مجيئه). ( المائدة : 19).

حتى وإن وجد تحريف وتبديل في النصوص الأصلية لتوراة اليهود وإنجيل المسيحيين والذين عليهم أن يعرفوا أنهم مكلفون بالتوحيد(11)  فإنهم لا زالوا في حصانة من العذاب لأن النبي محمد لم يبعث مُجدَّداً فيهم، فإن كان الأمر كذلك، فإن "أهل الفترة" الذين لم يعلموا أياً من الكتب المقدسة لا بد أن يستحقوا النجاة أكثر من غيرهم(12).

محمد "خاتم النبيبن" ( الأحزاب : 33) بعث كافة للناس و"رحمة للعالمين" (الأنبياء: 21) متجاوزاً الخلافات العرقية وستظل رسالته وشريعته باقية في كل زمان ومكان، فمنذ بعثته لم يعد يوجد "أهل الفترة". مع ذلك على الرغم من أن رسالة محمد عالمية وبلا حدود، فسوف تستغرق دعوته، في الواقع سنين لتنتشر في كل أصقاع الأرض، خارج العالم العربي، ينجم عن هذا أنه لا زالت تستعمل في تاريخ الإسلام منذ بعث النبي محمد، فكرة "أهل الفترة" إشارة إلى زمرة من الناس الذين لم تصلهم دعوة النبي محمد(13).

رغم أن الغماري لا يوضح بجلاء موقفه الفقهي في هذه المقالة إلا أن بحثه قائم على رأي المذهب الأشعري. وسوف نبيَّن عن طريق المقارنة بهذا المذهب تعريف "أهل الفترة" من منظور المذهب الماتريدي / الحنفي.

"أهل الفترة" في عقيدة المذهب الماتريدي

يعرَّف ابن عابدين (توفي عام 1252 هـ. / 1836 م)، الذي يقال عنه بأنه المرجع النهائي في المذهب الحنفي الحديث ، مفهوم "أهل الفترة" في المذهب الماتريدي / الحنفي  في سفره الضخم حول المذهب الحنفي "رد المختار" ، وقد أدرج قسماً فيه حول "أبَوَي النبي وأهل الفترة" في فصل "نكاح الكافرات" في كتاب "النكاح".

وقد أوضح رأيه هكذا :  في حين أن المذهب الأشعري يرى أن من ماتوا ولم تصلهم الدعوة سوف ينجون لأن الفكرة السائدة في المذهب الماتريدي هي أن الناس غير الموحدين سيتعرضون للعذاب في النار(14)، وفيما يتعلق بمفهوم "أهل الفترة" يتفق مذهب البخاريين ضمن المذهب الماتريدي مع فكرة النجاة لدى المذهب الأشعري، في حين يبيَّن النووي (توفي عام 676 هـ / 1277) والفخر الرازي (توفي عام 606 هـ / 1210 م) في المذهب الأشعري أن أهل الفترة يخضعان للعذاب في النار ، وهكذا نجد أن العلماء في كلا المذهبين منقسمون في الرأي ، وعلاوة على ذلك فبخصوص من لا يدين بالتوحيد، يقال بأن الكفار "السلبيين" الذين هم في غفلة عن الدين سينجون وأما من كفر بيقين ورفض الألوهية فسيخضع للعذاب في النار(15).

ويعتمد الرأي التالي للنابلسي (توفي عام 1308 هـ / 1891 م) موقف المذهب الماتريدي بأنه رغم أن التكليف بالالتزام بالشرع في السلوك لا يُلزم "أهل الفترة" فإن اعتقادهم يجب أن يلزمهم بالتوحيد بفضل قواهم الفكرية ولو لم تصلهم دعوة الرسول.

"وأهل الفترة بين نبيين ليس في أعمالهم ذنوب ، لعدم حصول التبليغ في زمانهم، وكذلك من نشأ في مكان منقطع عن الناس ، أو أسلم في دار الحرب ولم يهاجر إلى دار الإسلام. وهذا كل في الأعمال بالجوارح ، وأما ذنب الكفر بالله تعالى فلا يعذر فيه أحد لأن العقل كاف في معرفة ذلك"(16).

كان ابن عابدين والنابلسي كلاهما من علماء الإسلام أواخر الخلافة العثمانية، التي كانت تشهد ما يمكن تسميته بالنهضة والتحديث. وسننظر في القسم التالي في رأي السيوطي وعلماء المذهب الأشعري في العصر ما قبل الحديث.

زمر "أهل الفترة":

في مقالة عنوانها "مسالك الحنفاء في والدي المصطفى" في "الحاوي للفتاوى" (ردود في العقيدة) وضع السيوطي، (توفي عام 911 هـ / 1505 م) الذي ترك وراءه مجلدات ضخمة في علوم القرآن والحديث والفقه والعقيدة، "أهل الفترة" في عدة زمر.

وعندما استشهد السيوطي بالآية المذكورة آنفاً "وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً" ( الإسراء : 15) وبعبارة الفخر الرازي أنه "خلافاً لمذهب المعتزلة بأن الشكر لواهب الرحمة لا يصبح تكليفاً بمجرد حكم العقل" فقد أكد رأي المذهب الأشعري في نجاة "أهل الفترة". " في رأينا إن الأشخاص الذين لم تصلهم دعوة النبي سيموتون وهم ينالون النجاة"(17). ثم يعتمد تفسير الحديث النبوي الذي ينص على أن أشخاصاً معينين من "أهل الفترة" سيتلقون العذاب في النار.

ينقسم "أهل الفترة" عند السيوطي إلى ثلاث زمر:

تتألف الزمرة الأولى من أشخاص آمنوا بالتوحيد بحكمتهم النافذة ، وتنقسم هذه الفئة إلى زمرتين فرعيتين: الأولى أشخاص لم يكن عندهم شريعة خاصة بهم مثل القس بن ساعدة (توفي حوالي عام 23 قبل الهجرة / 600 م) وزيد بن عمر بن نفيل (توفي حوالي عام 17 قبل الهجرة / 606 م) والثانية أشخاص تبعوا بقايا شرع حقيقي مثل تُبَّع (أحد أباطرة اليمن الذي آمن باليهودية) وقومه.

تتألف الزمرة الثانية من أشخاص مثل امرؤ القيس (توفي عام 212 قبل الهجرة / 1403 م) وكان أحد ملوك العراق اللخميين ، كان طاغية يسمى بملك "النار والحطب". لم يمارس الوحدانية بل بالعكس أقام الوثنية على تحريف الوحدانية وتبديلها وابتداع وصايا خاصة به وتناقضات ،ومثل عمر بن لحي الخزاعي (مجهول سنة الولادة والوفاة)، الذي كان أول عربي أدخل عبادة الأصنام وبدَّل دين اسماعيل.

تتألف الزمرة الثالثة من أشخاص لم يمارسوا التوحيد ولا الشرك وعاشوا كل حياتهم في غفلة عن كل الأديان دون اتباع شرع أي نبي أو إقامة شرع أو دين بأنفسهم(18).

تشير عبارة "أهل الفترة" في معناها الحقيقي إلى الأشخاص الذين ينتمون إلى الزمرة الثالثة فهم في منجاة من أي عذاب ، والأشخاص الذين ينص الحديث بعذابهم هم الذين ينتمون إلى الزمرة الثانية ، لأنهم لم يفسحوا لأنفسهم مجالاً لتكفير ذنوبهم.

أما عبد الله الغماري عالم القرن العشرين الذي سبق ذكره في القسم السادس فلم يشر إلى السيوطي ولكنه تبنى نفس الثلاثية مستشهداً بالنووي والحافظ بن حجر العسقلاني (توفي عام 821 هـ / 1449 م) من علماء الحديث في المذهب الشافعي والأُبيَّ (توفي عام 827 هـ / 1425 م) وهو عالم بالحديث في المذهب المالكي(19). لذلك علينا القول بأن مفهوم نجاة "أهل الفترة" قد أنشئ في أواخر المذهب الأشعري(20).

ألقينا حتى الآن في هذا القسم نظرة عامة لما يشكل مشكلة نجاة "أهل الفترة" في فترة ما قبل العصر الحديث. سننظر أولاً في القسم التالي إلى بحث النجاة في بدايات المذهب الأشعري ثم نقارنها بالفترة الأخيرة.

النجاة حسب بدايات المذهب الأشعري:

بحث البغدادي (توفي عام 429 هـ / 1037 م) وهو من ممثلي  المذهب الأشعري في بداياته المسألة في كتابه "أصول الدين". ويرد بحثه في قسم "مسألة بيان حكم من لم تبلغه دعوة الإسلام" في الفصل الثاني بعنوان "أصل بيان أصول الإيمان".

"قال أصحابنا إن الواجبات معلوم وجوبها بالشرع ، وقالوا فيمن كان وراء السد أو في قطر من الأرض ولم تبلغه دعوة الإسلام ينظر فيه ، فإن اعتقد الحق في العدل والتوحيد وجهل شرائع الأحكام والرسل فحكمه حكم المسلمين وهو معذور فيما جهل به من الأحكام لأنه لم يقم به الحجة عليه ، ومن اعتقد منهم الالحاد والكفر والتعطيل (إنكار الألوهية) فهو كافر بالاعتقاد وينظر فيه ، فإن انتهت إليه دعوة بعض الأنبياء عليهم السلام فلم يؤمن بها كان مستحقاً للوعيد على التأبيد ، ومن لم تبلغه دعوة الشريعة بحال لم يكن مكلفاً وليس له في الآخرة ثواب ولا عقاب، فإن عذبه الله في الآخرة كان ذلك عدلاً منه ولم يكن عقاباً له، كما أن إيلام الأطفال والبهائم في الدنيا عدل من الله تعالى وليس بعقاب لهم على شيء ، وإن أنعم عليه في الآخرة كان ذلك فضلاً منه وليس يثاب على الطاعة"(21).

كما رأينا آنفاً تلجأ حجة المذهب الأشعري المتأخر حول نجاة "أهل الفترة" إلى مفهوم "من لم تبلغه دعوة الإسلام" وهي تقوم على مبدأ أن لا عذاب طالما أنه لم يأت فيهم نبي ، في حين أن نظرية نجاة "أهل الفترة" في العصر المتأخر قد تطورت على خلفية مسألة إن كان والدا الرسول (اللذان ماتا وهما يجهلان دعوة الإسلام) سوف ينجوان أم لا، فإن شاغل البغدادي الرئيسي كان في الإمكانية النظرية لنجاة غير المسلمين المعاصرين أي الناس الذين لم تصلهم الدعوة في حيز "المكان" مقابل أجيال الناس الذين لم تصلهم الدعوة في حيز "الزمان"، أي "أهل الفترة".

وحجة البغدادي هي: من لم تصله دعوة الإسلام وهو يؤمن بوحدانية الله وعدله فهو من المسلمين، وبالإجماع إن الإسلام هو تعاليم الأنبياء ، وأن من يستجيب للدعوة ويقبل حقيقة وحدانية الله فهو مسلم(22) ولكنه نادراً ما قيل في الفترة التي تلت بعثة محمد بوجود حجج عديدة تقر بإسلام أولئك الناس الذين تحققوا من وحدانية الله وعدله دون الاعتراف (أو المعرفة) بأن محمداً هو رسول الله ، أي دون الاعتماد على دعوة محمد(23) ، وهنا تٌقيَّم حجة البغدادي على أنها "شمولية" و"تجميعية" بمعنى أن مفهوم "المسلمين" بعد دعوة محمد قد توسع إلى ما وراء "أمة محمد".

رغم مقاربة البغدادي "الشمولية" تجاه من أدركوا حقيقة التوحيد بأنفسهم، حتى بالمقارنة مع نظرية المذهب الأشعري المتأخر حول النجاة، فقد كان قاسياً على من لم يعتنق المعتقدات الدينية بسبب عدم توفر الدعوة، هذا لأنه يُفرِّق بين العقاب والتعذيب، فبينما يصر على أن من لم تصله الدعوة ليس مكلفاً فهو لا يستحق العقاب، يقبل أيضاً عدلاً إمكانية تعرضهم لنوع من التعذيب الذي لا يقصد به العقاب.

10. خاتمة:

الإسلام دين كل الأنبياء منذ آدم وتمتد النجاة فيه إلى ما وراء "أمة محمد" لكل الموحدين منذ آدم أي "للمسلمين" في المعنى الواسع للكلمة، وهذا بالتحديد هو إجماع الإسلام بصرف النظر عن الطائفة أو المذهب، ومن حيث المبدأ لا مجال في الإسلام لبحث المسائل فيما إن كانت النجاة موجودة قبل عيسى المسيح أم لا.

أما بخصوص إمكانية النجاة للناس وراء أمة محمد منذ تاريخ دعوته فإن عقيدة المذهب الأشعري تتفق بأن النجاة تشمل ثلاث زمر من الناس.

الأولى: زمرة الناس الذين أخذوا بالتوحيد بمحض بصيرتهم، ويعتبر الناس الذين ينتمون لهذه الزمرة في بعض الحالات "مسلمين بالمعنى الواسع للكلمة" ولا يوجد خلاف في المذهب فيما يتعلق بنجاتهم.

الثانية: زمرة الناس الذين عاشوا طوال حياتهم في غفلة عن الدين لأن دعوة الإسلام لم تصلهم، وهم أهل للنجاة في النظرية السائدة في المذهب الأشعري المتأخر.

الثالثة: زمرة الناس الذين عاشوا طوال حياتهم ملحدين عن قناعة ، ويرفضون وجود الله قطعاً في ظروف لم تصلهم فيها دعوة الإسلام ، فرغم أن علماء الأشاعرة منقسمون فيما يتعلق بنجاة هؤلاء الناس، فإن النظريات التي تقر بحقهم بالنجاة لها زخمها أيضاً.

وكما رأينا بإيجاز حتى الآن إن فكرة فتح النجاة لغير المسلمين مقبولة كعقيدة صحيحة لدى المذهب الأشعري ويمكن أن يفتح الباب لمناقشة حرة في حدود "العقائد الصحيحة"، وفضلاً عن ذلك، كما أوضحنا في هذا البحث فإن نظرية المذهب الأشعري في نجاة غير المسلمين ليست نتاج عملية توفيقية أو انتقائية مشتقة من عوامل خارجية تعكس حسابات مصالح دنيوية ذات طبيعة سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية في المتاجرة والتبادل مع غير المسلمين، أو في قهرهم أو أن يقهروا من قبلهم، بل هي نتاج متطلبات منطقية في صلب العقيدة، لهذا ليست هذه النظرية نوعاً من "الأفكار" لموجة عابرة، وليست كذلك فكرة مستعارة قاصرة مرتبطة بحالة آنية تفتقد الاستمرارية. وفي رأيي الشخصي إن مزيداً من تعميق وتطوير رأي المذهب الأشعري في نظرية النجاة ستشكل أساساً عقائدياً من أجل تعايش مستقبلي للإسلام مع الديانات الأخرى(25). وهكذا يكون هذا البحث عملاً تمهيدياً لهذا الغرض.

ويمكن أن يكون لهذه العقيدة التي تؤيد نجاة الناس الذين لم تصلهم دعوة الإسلام  أهمية كبيرة في الدعوة للإسلام في أقطار مثل اليابان التي ليس لها تاريخ طويل في صلتها بالإسلام وحيث يرتبط الناس بقوة باحترام الأجداد، هذا لأن القرآن يحرَّم طلب المغفرة لغير المسلمين قائلاً: "ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم". ( التوبة : 113) فتحريم الاستغاثة لأجل الأجداد إذاً عقبة كبيرة في طريق الدعوة للإسلام في اليابان.

 

 

 

        

 


    

الحواشي 

 

ماعدا أربع عشرة حالة لهذه المجموعة من الحروف الساكنة والتصريف الثالث للفعل الذي يعني النجوى هناك ستة وثمانون مثالاً من الاستعمال الذي يعني النجاة ، وتشير معظم هذه الأمثلة إلى النجاة من عذاب الله أو من البلاء، تشير الآية 58 من سورة هود إلى المعنى الأول:

 "ولما جاء أمرنا نجينا هوداً والذين آمنوا معه برحمة منا ونجيناهم من عذاب غليظ".

والمثال على المعنى الآخر هو في الآية 141 من سورة الأعراف:

"وإذ أنجيناكم من آ ل فرعون يسومونكم سوء العذاب يقتلون أبناءكم ويستحيون نساءكم وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم".

(2)  "ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر" (سورة الأنبياء الآية 32). وفقاً لأحد تفاسير القرآن التقليدية المعتمدة بعنوان "مدارك التنزيل وحقائق التأويل" للنسفي يشير "العذاب الأدنى" للعقوبة  في الدنيا مثل أسر بابل وما مُحنوا به من الجفاف سبع سنين و "العذاب الأكبر" يشير إلى العقوبة في الآخرة ، اقرأ المجلد الثالث طبعة بيروت 1996 صفحة 421 من تفسير النسفي "مدارك التنزيل وحقائق التأويل" لمؤلفه عبد الله ابن أحمد النسفي.

كذلك وفقاً لتفسير تقليدي معتمد وهو تفسير البيضاوي يشير "العذاب الأدنى" إلى العقوبات في هذه الدنيا مما مُحنوا به  من السنة سبع سنين والقتل والأسر في بابل ويشير "العذاب الأكبر" إلى عذاب الآخرة ، راجع تفسير البيضاوي، المجلد الثاني، بيروت 1988 صفحة 236.

" فيعذبه العذاب الأكبر" سورة  الغاشية الآية 24. وفقاً لـ "مدارك التنزيل وحقائق التأويل" العذاب الأكبر هو عذاب جهنم. اقرأ المجلد الرابع صفحة 516 ، وحسب تفسير البيضاوي تشير الآية إلى عذاب الآخرة، المجلد الثاني  بيروت 1988 صفحة 592

(3) كما يقال "إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار". سورة  النساء الآية 145. هناك درجات بين أصحاب النار ، وهذا ينطبق أيضاً على أهل الجنة.

"الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله وأولئك هم الفائزون يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم". سورة التوبة الآية 20 ـ 21

(4) حسب نظرية الكسب في المذهب الأشعري لا يدعى المرء "فاعلاً" بل "مكتسباً للأعمال".

(5)  ابن رجب في "جامع العلوم والحكم"، المجلد الثاني، مكة 1933 صفحة 7 ـ 8.

(6) عبد الله ابن محمد بن الصديق الإدريسي "أهل الفترة ناجون"، في كتاب "خواطر دينية". القاهرة، 1968 صفحة 116.

 (7)راجع نفس المصدر.

(8) لأن التوحيد كلف به الخلق منذ أرسل الله آدم إلى أولاده.... وقوله تعالى "وما كنا معذبين" أي على المعاصي كالزنا والظلم "حتى نبعث رسولا" يبين الأحكام فهو مؤول ، المصدر نفسه ص 116. أي أنهم يميزون بين العقيدة والشريعة ويقولون بأن مهمة الرسول التكليف بالالتزام بالشرع بينما الأمر بالالتزام بعقيدة التوحيد مفروض على كل شخص قادر على أداء الفروض فهو مكلف بصرف النظر عما إذا سمع بإرسال الرسول أم لا ، وكما سنرى لاحقاً هذا موقف المذهب الماتريدي.

 (9)الأحاديث الواردة بخلاف ذلك معلولة والصحيح منها آحاد ثم هي تحتمل التأويل لأنها آحاد لا تقوى على معارضة القرآن (راجع المصدر نفسه صفحة 116).

(10) فموسى لم يخبر عن هؤلاء القوم الذين يعكفون على الأصنام بأن الله معذبهم لأنهم "أهل الفترة" لم يأتهم رسول ولا بد أنهم سمعوا بموسى وبدعوته ومع ذلك لا يلحقهم عذاب إذْ لم يعرفوا شريعة ولا أتاهم رسول.

(11) قال الغماري "الشرك مثل المسيحية" فيما يخص المسيحية واليهودية لا كأشكال للتوحيد ولكن كشرك. (نفس المصدر ص 118).

(12)  وكما يفهم من النص إذا كان اليهود والنصارى، وهم أهل كتاب جاءهم به رسل، يقبل عُذرهم عن الله حسبما أفادت الآية لو لم يأتهم نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم فما ظننا بالعرب الأميين الذين ما رأوا رسولاً ولا قرأوا كتاباً منذ عهد اسماعيل عليه السلام ، لا شك أنهم أولى بقبول العذر وأجدر بالحياة. (نفس المصدر ص 117 ـ 118).

(13)  أما بعد البعثة المحمدية التي عمت أصل أهل الأرض جميعاً فلا يوجد أهل الفترة ولا محل لافتراض وجودهم ، لكن قد يعتبر وجود من لم تبلغه الدعوة ، فلو افترضنا وجود شخص في مجاهل القارة الإفريقية مثلاً لم يسمع بالإسلام ولا بالقرآن ولا عرف شيئاً عن توحيد الله تعالى وعاش بين الجبال والغابات فإنه ناج بلا شك حتى ولو اعتنق بعض الديانات الشركية كالنصرانية مثلاً ، ذلك لأن بلوغ الدعوة شرط في توجيه التكليف للشخص ، فإذا لم تبلغه بدون تقصير منه لم يكلف. (نفس المصدر ص. 118).

(14) أما الاستدلال على نجاتهما بأنهما ماتا في زمن الفترة فهو مبني على أصول الأشاعرة أن من مات ولم تبلغه الدعوة يموت ناجيا ، أما الماتريدية فترى إنه إن مات قبل مضى مدة يمكنه فيها التأمل ولم يعتقد إيمانا و كفرا فلا عقاب له بخلاف ما إذا اعتقد كفرا أو مات بعد المدة غير معتقد شيئاً. (من كتاب محمد أمين المشهور بابن عابدين، حاشية رد المختار، شرح تنوير الأبصار، القاهرة، 1966، المجلد الثالث، ص. 185).

(15) " على ما بعد البعثة واختار المحقق ابن الهمام(توفي حوالي عام 861 هـ / 1457 م) في  "التحرير" لكن هذا في غير من مات معتقدا للكفر ، فقد صرح النووي والفخر الرازي بأن من مات قبل البعثة مشركا فهو في النار وعليه بعض المالكية لما صح من الأحاديث في تعذيب أهل الفترة بخلاف من لم يشرك منهم ولم يوحد بل بقي عمره في غفلة من هذا كله ففيهم الخلاف. نفس المصدر، ص 185.

(16) عبد الغني بن اسماعيل النابلسي "أسرار الشريعة" أو "الفتح الرباني والفيض الرحماني" بيروت، 1985، ص 78.

(17) السيوطي "الحاوي للفتاوى" 1983، بيروت المجلد الثاني ص 206.

(18)  نفس المصدر، ص 209.

(19) ولكن، بعكس السيوطي، لم يُفرق الغماري فيما يتعلق بالناس الذين بلغوا التوحيد بتأملهم الشخصي البحت ، بين من التزم بالشريعة ، وبين من لم يلتزم بها، قائلاً بأنهم يتبعون شريعة من الشرائع التي لم تنسخ بما أتى به الأنبياء اللاحقون ولا زالت صحيحة ، لذلك قال بأن زيد بن عمر تنصَّر. (الإدريسي ص 116).

(20)  رغم أنه لا نوجد إشارة واضحة لتحديد التاريخ الذي نشأ فيه المذهب الأشعري يرى المؤلف أنه في الفترة من عصر الفخر الرازي (توفي 606 هـ / 1210 م) فصاعداً حين اتحد الدين والفلسفة بشكل جلي.

(21)  أبو منصور البغدادي/ "أصول الدين" بيروت 1981، ص 262.

(22)  في القسم الخامس قُدِّم الحديث الذي ينص على أن أهل الجنة ليسوا مقصورين على أمة محمد ، ويعتقد بأن أهل الجنة من غير أمة محمد هم "مسلمون" في المعنى العام للاصطلاح، أي المؤمنون بالرسل قبل محمد ، وهكذا أهل الجنة ليسوا حصراً من أمة محمد بل المسلمون عموماً، وهذا رأي عام شائع.

(23)  الرأي الشائع في المذهب الحنفي هو: إن أقر الملحدون والمشركون بوحدانية الله أصبحوا مسلمين.

يقول الحصكفي (توفي عام 1088 هـ / 1677 م)" الكفار أصناف خمسة: من ينكر الصانع كالدهرية, ومن ينكر الوحدانية كالثنوية, .... فيكتفي في الأولين بقول لا إله إلا الله." (محمد أمين المشهور بابن عابدين) "حاشية رد المختار شرح تنوير الأبصار" القاهرة 1966 المجلد الرابع ص 226 ـ 227 راجع الموصلي الحنفي، الاختيار، المجلد  الثاني، بيروت، 1998 ص 424).

رغم وجود مثل هذه الاستدلالات في المذهب الشافعي فلا يأخذ بها الجميع. (راجع النووي "روض الطالبين" المجلد العاشر ص 83 ـ 85). علاوة على ذلك، يبدو أن هذه الاستدلالات فيها فائدة عملية عموماً في "الحكم في الدنيا" كيف نعامل مثل هؤلاء الناس في السياق الاجتماعي في حدود الشرع ، ويبدو أنهم غير مهتمين بخلاصهم في الآخرة .

(24)  فيما يتعلق "بالعدل" يقول البغدادي إن العدل بين البشر لا ينطبق على الله لأنه رب المخلوقات وله السلطة بالتصرف الحر بهم ، وهكذا يبدي البغدادي تعاطفه مع أخلاقيات المذهب الأشعري الذي يؤكد على قدرة الله ، وسبب عدم تمييز المذهب الأشعري الأخير بين الجزاء والعذاب، يبين بوضوح بأن "أهل الفترة" ناجون ربما بسبب المستلزمات النظرية لنجاة آباء الأنبياء.

(25)  ومع ذلك فإن الغمري الذي استدل نظرياً بأن غير المسلمين الذين لم تبلغهم الدعوة ناجون قد أضمر في الواقع عداوة مريرة تجاه اليهود والنصارى ، لدى رؤية ذلك علينا أن نتذكر أنه من الصعب تماماً أن نرقى بفكرة المذهب الأشعري بشأن النجاة إلى مستوى نظرية تطبق على التعايش الديني اليوم، ولا يمكننا أن نتفاءل أكثر مما ينبغي بنجاحها.

يقول الغمري "أما الذين ولدوا بين أبوين يهوديين أو نصرانيين فهم كفار بلا منازع لأنهم بعد أن سمعوا القرآن وعرفوا المسلمين يضمرون للإسلام كراهية شديدة بحيث لو خير أحدهم بين الإسلام والموت لاختار الموت عليه ، يقر كثير من المسيحيين ببلاغة القرآن وبتأثرهم بروعته عند سماعه وباشتماله على حقائق علمية ويُصِّرون مع ذلك على مسيحيتهم ، فكفر هؤلاء عن إصرار وعناد هو أقبح الكفر. (الإدريسي ص 118).

 



(1) ماعدا أربع عشرحالة لهذه المجموعة من الحروف الساكنة والتصريف الثالث للفعل الذي يعني النجوى هناك سبعون مثالاً من الاستعمال الذي يعني النجاة (الخلاص). وتشير معظم هذه الأمثلة إلى النجاة من عذاب الله أو من البلاء. تشير الآية 58 من سورة هود إلى المعنى الأول:

 "ولما جاء أمرنا نجينا هوداً والذين آمنوا معه برحمة منا ونجيناهم من عذاب غليظ".

والمثال على المعنى الآخر هو في الآية 141 من سورة الأعراف:

"وإذ أنجيناكم من أل فرعون يسومونكم سوء العذاب يقتلون أبناءكم ويستحيون نساءكم وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم".

(2)  "ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر" (سورة 21 الآية 32). وفقاً لأحد تفاسير القرآن التقليدية المعتمدة بعنوان "مدارك التنزيل وحقائق التأويل" للنسفي يشير "العذاب الأدنى" للعقوبة  في الدنيا مثل أسر بابل وما مُحنوا به من الجفاف سبع سنين و "العذاب الأكبر" يشير إلى العقوبة في الآخرة. اقرأ المجلد الثالث طبعة بيروت 1996 صفحة 421 من تفسير النسفي "مدارك التنزيل وحقائق التأويل" لمؤلفه عبد الله ابن أحمد النسفي.

كذلك وفقاً لتفسير تقليدي معتمد وهو تفسير البيضاوي يشير "العذاب الأدنى" إلى العقوبات في هذه الدنيا مما مُحنوا به من السنة سبع سنين والقتل والأسر في بابل ويشير "العذاب الأكبر" إلى عذاب الآخرة. راجع تفسير البيضاوي، المجلد الثاني، بيروت 1988 صفحة 236.

"ثم يعذبه العذاب الأكبر" سورة 88 الآية 24. وفقاً لـ "مدارك التنزيل وحقائق التأويل" العذاب الأكبر هو عذاب جهنم. اقرأ المجلد الرابع صفحة 516. وحسب تفسير البيضاوي تشير الآية إلى عذاب الآخرة، المجلد 2 بيروت 1988 صفحة 592

(3) كما يقال "إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار". السورة 4 الآية 145. هناك درجات بين أصحاب النار. وهذا ينطبق أيضاً على أهل الجنة.

"الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله وأولئك هم الفائزون يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم". السورة 9 الآية 20 ـ 21

(4) حسب نظرية الكسب في المذهب الأشعري لا يدعى المرء "فاعلاً" بل "مكتسباً للأعمال".

(5)  ابن رجب في "جامع العلوم والحكم"، المجلد الثاني، مكة 1933 صفحة 7 ـ 8.

(6) عبد الله ابن محمد بن الصديق الإدريسي "أهل الفترة ناجون"، في كتاب "خواطر دينية". القاهرة، 1968 صفحة 116.

 (7)راجع نفس المصدر.

(8) لأن التوحيد كلف به الخلق منذ أرسل الله آدم إلى أولاده.... وقوله تعالى "وما كنا معذبين" أي على المعاصي كالزنا والظلم "حتى نبعث رسولا" يبين الأحكام فهو مؤول. المصدر نفسه ص 116. أي أنهم يميزون بين العقيدة والشريعة ويقولون بأن مهمة الرسول التكليف بالالتزام بالشرع بينما الأمر بالالتزام بعقيدة التوحيد مفروض على كل شخص قادر على أداء الفروض فهو مكلف بصرف النظر عما إذا سمع بإرسال الرسول أم لا. وكما سنرى لاحقاً هذا موقف مذهب الماتريدي.

 (9)الأحاديث الواردة بخلاف ذلك معلولة والصحيح منها آحاد ثم هي تحتمل التأويل لأنها آحاد لا تقوى على معارضة القرآن (راجع المصدر نفسه صفحة 116).

(10) فموسى لم يخبر عن هؤلاء القوم الذين يعكفون على الأصنام بأن الله معذبهم لأنهم "أهل الفترة" لم يأتهم رسول ولا بد أنهم سمعوا بموسى وبدعوته ومع ذلك لا يلحقهم عذاب إذْ لم يعرفوا شريعة ولا أتاهم رسول.

(11) قال الغماري "الشرك مثل المسيحية" فيما يخص المسيحية واليهودية لا كأشكال للتوحيد ولكن كشرك. (نفس المصدر ص 118).

(12)  وكما تدرك من النص إذا كان اليهود والنصارى، وهم أهل كتاب جاءهم به رسل، يقبل عُذرهم عن الله حسبما أفادت الآية لو لم يأتهم نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم فما ظنك، أيها القارئ، بالعرب الأميين الذين ما رأوا رسولاً ولا قرأوا كتاباً منذ عهد اسماعيل عليه السلام لا شك أنهم أولى بقبول العذر وأجدر بالحياة. (نفس المصدر ص 117 ـ 118).

(13)  أما بعد البعثة المحمدية التي عمت أصل أهل الأرض جميعاً فلا يوجد أهل الفترة ولا محل لافتراض وجودهم. لكن قد يعتبر وجود من لم تبلغه الدعوة. فلو افترضنا وجود شخص في مجاهل القارة الإفريقية مثلاً لم يسمع بالإسلام ولا بالقرآن ولا عرف شيئاً عن توحيد الله تعالى وعاش بين الجبال والغابات فإنه ناج بلا شك حتى ولو اعتنق بعض الديانات الشركية كالنصرانية مثلاً. ذلك لأن بلوغ الدعوة شرط في توجيه التكليف للشخص. فحيث لم تبلغه بدون تقصير منه لم يكلف. (نفس المصدر ص. 118).

(14) أما الاستدلال على نجاتهما بأنهما ماتا في زمن الفترة فهو مبني على أصول الأشاعرة أن من مات ولم تبلغه الدعوى يموت ناجيا. أما الماتريدية فإن مات قبل مضى مدة يمكنه فيها التأمل ولم يعتقد إيمانا و كفرا فلا عقاب له بخلاف ما إذا اعتقد كفرا أو مات بعد المدة غير معتقد شيئاً. (من كتاب محمد أمين المشهور بابن عابدين، حاشية رد المختار، شرح تنوير الأبصار، القاهرة، 1966، المجلد الثالث، ص. 185).

(15) " على ما بعد البعثة واختار المحقق ابن الهمام(توفي حول عام 861 هـ / 1457 م) في  "التحرير" لكن هذا في غير من مات معتقدا للكفر. فقد صرح النووي والفخر الرازي بأن من مات قبل البعثة مشركا فهو في النار وعليه بعض المالكية ما صح من الأحاديث في تعذيب أهل الفترة بخلاف من لم يشرك منهم ولم يوحد بل بقي عمره في غفلة من هذا كله ففيهم الخلاف. نفس المصدر، ص 185.

(16) عبد الغني بن اسماعيل النابلسي "أسرار الشريعة أو الفتح الرباني والفيض الرحماني" بيروت، 1985، ص 78.

(17) السيوطي "الحاوي للفتاوى" 1983، بيروت المجلد الثاني ص 206.

(18)  نفس المصدر، ص 209.

(19) ولكن، بعكس السيوطي، لم يُفرق الغماري فيما يتعلق بالناس الذين بلغوا التوحيد بتأملهم الشخصي البحت بين من التزم بالشريعة وبين من لم يلتزم بها، قائلاً بأنهم يتبعون شريعة من الشرائع التي لم تنسخ بما أتى به الأنبياء اللاحقون ولا زالت صحيحة. لذلك قال بأن زيد بن عمر تنصَّر. (الإدريسي ص 116).

(20)  رغم أنه لا يوجد إشارة واضحة لتحديد التاريخ الذي نشأ فيه المذهب الأشعري يعتبر المؤلف الفترة من عصر الفخر الرازي (توفي 606 هـ / 1210 م) فصاعداً حين اتحد فيه الدين والفلسفة بشكل جلي بهذا الشكل.

(21)  أبو منصور البغدادي/ "أصول الدين" بيروت 1981، ص 262.

(22)  في القسم الخامس قُدِّم الحديث الذي ينص على أن أهل الجنة ليسوا مقصورين على أمة محمد. ويعتقد بأن أهل الجنة من غير أمة محمد هم "مسلمون" في المعنى العام للاصطلاح، أي المؤمنون بالرسل قبل محمد. وهكذا أهل الجنة ليسوا حصراً من أمة محمد بل المسلمون عموماً، وهذا رأي عام شائع.

(23)  الرأي الشائع في المذهب الحنفي هو: إن أقر الملحدون والمشركون بوحدانية الله أصبحوا مسلمين.

يقول الحصكفي (توفي عام 1088 هـ / 1677 م)" الكفار أصناف خمسة: من ينكر الصانع كالدهرية, ومن ينكر الوحدانية كالثنوية, .... فيكتفي في الأولين بقول لا إله إلا الله." (محمد أمين المشهور بابن عابدين) "حاشية رد المختار شرح تنوير الأبصار" القاهرة 1966 المجلد الرابع ص 226 ـ 227 راجع الموصلي الحنفي،" الاختيار"، المجلد  الثاني، بيروت، 1998 ص 424).

رغم وجود مثل هذه الاستدلالات في المذهب الشافعي فلا يأخذ بها الجميع. (راجع النووي "روض الطالبين" المجلد العاشر ص 83 ـ 85). علاوة على ذلك، يبدو أن هذه الاستدلالات فيها فائدة عملية عموماً في "الحكم في الدنيا" كيف نعامل مثل هؤلاء الناس في السياق الاجتماعي في حدود الشرع. ويبدو أنهم غير مهتمين بخلاصهم في الآخرة .

(24)  فيما يتعلق "بالعدل" يقول البغدادي إن العدل بين البشر لا ينطبق على الله لأنه رب المخلوقات وله السلطة بالتصرف الحر بهم. وهكذا يبدي البغدادي تعاطفه مع أخلاقيات المذهب الأشعري الذي يؤكد على قدرة الله. وسبب عدم تمييز المذهب الأشعري الأخير بين الجزاء والعذاب، يبين بوضوح بأن "أهل الفترة" ناجون ربما بسبب المستلزمات النظرية لنجاة آباء الأنبياء.

(25)  ومع ذلك فإن الغمري الذي استدل نظرياً بأن غير المسلمين الذين لم تبلغهم الدعوة ناجون قد أضمر في الواقع عداوة مريرة تجاه اليهود والنصارى. لدى رؤية ذلك علينا أن نتذكر أنه من الصعب تماماً أن نرقى بفكرة المذهب الأشعري بشأن النجاة إلى مستوى نظرية تطبق على التعايش الديني اليوم، ولا يمكننا أن نتفاءل أكثر مما ينبغي بنجاحها.

يقول الغمري "أما الذين ولدوا بين أبوين يهوديين أو نصرانيين فهم كفار بلا منازع لأنهم بعد أن سمعوا القرآن وعرفوا المسلمين يضمرون للإسلام كراهية شديدة بحيث لو خير أحدهم بين الإسلام والموت لاختار الموت عليه. يقر كثير من المسيحيين ببلاغة القرآن وبتأثرهم بروعته عند سماعه وباشتماله على حقائق علمية ويُصِّرون مع ذلك على مسيحيتهم. فكفر هؤلاء عن إصرار وعناد هو أقبح الكفر. (الإدريسي ص 118).